في مشواره الطويل بين ضفتي الواقع والإبداع، بحثا عن القضايا والقيم
محمد ملص: المدينة هي التي منحتني الطاقة والقوة
حاوره: ناصر الغزالي
عطارد حيدر
محمد ملص مبدع مسكون بالأحلام والخيبات، أحلام المدن التي يحبها وخيباتها. أشكالها وأضواؤها وألوانها. يتقن ملص غواية مدنه الجميلة العصية، التي تستسلم لسحره وتسلمه في لحظة العشق المبدع أسرار ماضيها ومفاتيح مستقبلها. منذ بدأ مسيرته وحتى الآن تشغله هواجس مشروعه الإبداعي. من جهة أولى يحاول ملص عبر لغته السينمائية استكمال صفحات لم تدون من تاريخ الوطن. ومن جهة أخرى يقرع أجراسه دون كلل عندما تستشف بصيرته النافذة نهايات الطرق الوعرة الخادعة التي تسير فيها مدنه. عبر مشواره الطويل، حمل ملص همومه وهموم مدنه وجال عوالم كثيرة بحثا عن القضايا والقيم التي يسميها "قيم العدالة والإنسانية"، كل هذا دون أن يقع فريسة السؤال الصعب عن العلاقة بين الشكل والمضمون، وأولويات الفن والفكرة.
في هذا الحوار النادر الذي اشترك في إعداده وإدارته المدير العام لمجلة مقاربات وأمينة التحرير ورئيسة القسم الثقافي يمر ملص في لحظة مختلفة إذ لا تحاوره مقاربات بوصفه مبدعا وفنانا ملهما فقط بل باعتباره شخصية عامة لها قراءتها الخاصة للحاضر والواقع، وتأثيرها الواسع على رأي الشارع.
ــ تجمع الشخصية العامة في معطفها الماضي والحاضر وتؤثر على الرأي العام الموجود في محيطها بل في العالم أيضاً، كيف يحمل محمد ملص هذه المسؤولية؟
ــ محمد ملص: يبدو لي أن هذا السؤال تعبير عن حقائق المفردات الواردة فيه حول الشخصية العامة وتأثيرها في المجتمع، لكنني أحس أننا في سوريا كثيراً مانفقد قدرتنا كشخصيات تمارس إبداعا للعامة وكثيراً ماتفقد الأعمال التي نحققها أيضا تأثيرها في الحياة العامة. الحياة العامة في سوريا اليوم ذات همِ واحد وأساسي هو ماتقدمه السلطة السياسية من حقائق ومفردات ووسائل تعبير، أما العامة أنفسهم من حيث علاقتهم بالحياة العامة وبالثقافة بشكل عام والعلاقة مع المبدعين سواءً بجانب الإبداع الفني أو الثقافي أو الأدبي، فهم ضعيفو التأثير لدرجة عالية مما يجعل هذا السؤال بحاجة إلى نقاش أكثر من أن يتمكن واحد من المبدعين من الإجابة عليه. هذه الحقيقة التي أتحدث عنها هي مادة للتساؤل والأسئلة الكثيرة والخاصة بالمجتمع وبأحواله. اليوم الحياة العامة تبدو لي أنها.. لاأعرف ماهو التعبير الأكثر ملائمةً لها.. إنها بين الموت والضعف أو الاحتضار.
العام اليوم هو عام بشري يعيش هموما اجتماعية وفردية ويعيش حالات فردية تبدأ من الخوف وتنتهي بالانعزال داخل العش الذي بناه لنفسه يوماً ما، هذا إذا وجد هذا العش أصلا.
الحياة العامة في سوريا هي التي تحتاج إلى تأملات وإلى بحوث واستقصاءات تحاول أن ترسمها بشكل دقيق وتوّصفها بشكل موضوعي وتعيد طرح الأسئلة عنها كي لانغرق في الكلمات المجردة لها، فأنا وبشكل مباشر أضرب المثال من الوسيلة التعبيرية التي أمتهنها والتي أحبها والتي أردت أن أكرس عمري لها ألا وهي السينما، السينما كشكل تعبيري مبدع للتعبير عن الحياة في هذا المجتمع وللتعبير عن الأشخاص ومشاكلهم وقضاياهم. إذا سألنا أنفسنا اليوم أين هي السينما وبحثنا عنها فلن نجدها بمعناها الحقيقي والفعلي وليس بالمعنى الدعائي الذي تصدره وتحاول أن تعممه الوسائل الإعلامية الرسمية. السينما غائبة كصالة، غائبة كجمهور يذهب إلى هذه الصالة ليشاهد فيلما، وغائبة كإنتاج باعتبار أن السينما اقتصرت منذ أكثر من أربعين عاماً حتى اليوم على قوة وحيدة ومنتجة هي الدولة، هذه القوة هي التي تتيح الفرصة للفيلم أن يوجد أو لايوجد، وهي القوة الفعلية القادرة على تحقيق أفلام لأن الفيلم يحتاج إلى قدرة مالية على التحقيق. إن غياب القطاع الخاص وبقاء الإنتاج السينمائي محصوراً بيد الدولة قد جعل هذه الوسيلة التعبيرية وإمكانية تحقيقها بيد من تريد هذه القوة الإنتاجية الرسمية أن تقدم له الفرصة ليحققها، وهي بالتأكيد لاتتيح الفرصة لتحقيق أفلام تعبر بصدق وباستقلالية وبحرية، لاتتيح الفرصة لها كي تتحقق.
إذا أخذنا السينما كوسيلة من وسائل التعبير لشخصية سينمائية كي تصل للجمهور فإننا نجدها غائبة، فمن أين للمبدع السينمائي أن يكون له تأثير؟ هذا إذا تحدثنا عن السينما، لكنني أعتقد أن هذا المثال الذي أعرضه ينطبق على كافة وسائل التعبير التي تحول المثقف أو المبدع إلى شخصية عامة قادرة على التأثير. هذا الاستعراض لايلغي إمكانية المحاولات التي سعت إلى النفاذ وإلى تحقيق مشروعات سينمائية وصلت بشكل من الأشكال للجمهور، أي القدرة على التأثير. مدى هذا التأثير يبقى محدوداً لدرجة كبيرة لأنه لايصل بشكل صحيح إلى هذا الجمهور وكذلك لكون هذه الإنتاجات متباعدة زمنياً بحيث أنه ما أن تترك أثرا ما من خلال عمل ما، وتمضي لتحقق مشروعك الآخر فإن تأثيرك الأول يصبح هباءً منسيا ويفقد القدرة على أن يكون ذا فعالية حقيقية على هذا الجمهور.
ــ محمد ملص شخصية مسكونة بقلق إبداعي واجتماعي، فالمشاهد لأعماله يسكنه هاجس ملص وحلمه المتمثلين في البحث في أعماق المجتمع وأدق تفاصيله والإسهام في إعادة بناء ماتخرب حوله. كيف يوازن محمد ملص بين مشروعه الإبداعي وبين كونه رافعة ثقافية ومجتمعية؟
محمد ملص: هذا الشرح يطرح موضوعين مختلفين، الموازنة بين الإبداع والفن وبين الشكل والمضمون كما ورد في الشرح، لا أعرف متى ولاكيف تشكل التصور السينمائي في داخلي دون أن يضع نفسه أمام سؤال الشكل والمضمون أو الواقع والإبداع. كانت الحياة أولاً والمنشأ الذي أتيت منه وطبيعة التجربة الحياتية التي عشتها هي التي دفعتني وأمسكت بي من عنقي وقادتني، بالإضافة إلى الجانب الثقافي الذي شكلت نفسي من خلاله فغابت أسئلة الشكل والمضمون، الواقع والتعبير غابا كأسئلة منفصلة وتشكل في داخلي البحث عن القضايا الأسئلة الإنسانية والاجتماعية التي كنت أشعر بلهفة شديدة للعثور عليها ورغبة كبيرة للصراخ بحثاً عنها ودفاعاً عن قيم العدالة والإنسانية التي أتوقع أن تعم يوماً ما في مجتمعي وفي بلدي. الأمر الذي لعب الدور الأساسي ربما ليس فقط التجربة المعاشة ولا الثقافة التي شكلت نفسي من خلالها بل المدرسة التي تعلمت من خلالها السينما وهي معهد السينما في موسكو والأستاذ الجليل الذي أمسك بي منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها إلى حين اللحظة التي خرجت فيها من هذا المعهد، هو الأستاذ الذي قادني سينمائياً للتعرف على نفسي وليس التعرف على السينما، فعبر هذه المدرسة السينمائية تداخلت الموضوعات وعثرت ربما بنجاح أو دون نجاح على الصيغة التي تخلق ذلك التناغم الهارموني بين التعبير كشكل وبين المحتوى الذي يطمح له هذا التعبير.
ليس لدي أسئلة حول الشكل، وليس لدي أسئلة حول العلاقة بين المبدع والعمل الفني. لماذا ليست لدي هذه الأسئلة؟ لأني اكتشفت أولاً أن الإبداع يجب أن يكون تعبيراً عن المعاناة المباشرة والاجتماعية التي أحس أني أواجهها في كل يوم من حياتي ولأنه ليس هناك فصل بين الإبداع والمعايشة للواقع. لم أبحث عن الصيغة، كانت الصيغة تلد مع الموضوع وسأضرب أمثلة على ذلك. حين أردت أن أعبر سينمائياً عن الطفولة كانت صور الطفولة التي عشتها هي هيمنت بشكلها وضوئها ولونها علي وعند استعادتي لهذه الذاكرة اكتشفت أني أستعيد فترة لم أكن أدرك أهميتها إلا باستعادتها ألا وهي فترة الخمسينات ثم فجأةً اكتشفت المفقود بين الماضي واليوم، إن الاستعادة الصادقة لزمن ماض هي التي علمتني كيف وما هو الشكل وما المضمون، بل كان الفيلم وتحقيق هذا الفيلم هو الذي ولد لدي الاستنتاج الفكري الذي كنت بشكل غامض أسعى إليه ولا أدرك كنهه كمقولة فكرية، لكنني بتحقيق الفيلم اكتشفت أني أدرك ما الذي كنت أمضي إليه وما الذي كنت أسعى إليه وما الذي كنت أفتقده وتمكنت من التعبير عنه. هنا تكمن فكرة سأتحدث عنها لاحقاً هي فكرة أن تمضي صادقاً نحو ماتحسه وتكتشف أنت أولاً ما الذي أردت قوله، الفكرة، أو المقولة الفكرية (وهي الفكرة التي أريد أن أؤجل الحديث عنها الآن) والعلاقة مع العمل الفكري. حين استعدت الطفولة وجدت نفسي أستعيد الخمسينات وحين استعدت الخمسينات اكتشفت أني اليوم أفتقد الجمهور والعامة والسياسة في الشارع والتي كانت في الخمسينات. وحين اكتشفت اليوم أني أفتقد ماتقوله "مقولة الفيلم" عرفت ما المفقود، وكانت اللحظة الأساسية التي أردت التعبير عنها هي اللحظة التي كان الشارع هو الذي علمني إياها ألا وهي اللحظة الديمقراطية القصيرة التي عاشتها سوريا مرة واحدة فقط يوماً ما من أيام الخمسينات. إذاً جواباً على هذا السؤال الجميل والهام والمعقد، نحن وأنا على الأخص أريد أن أتحدث عن نفسي ولا أريد أن أتحدث عن الآخرين.. الأمر هو أن تشعر بالاحتياج التعبيري لأنك تفتقد شيئا ولا تعرف هذا الشيء ولكنك تتعرف عليه بدقة حين تمضي بصدق نحوه، باتجاهه. تمضي باتجاهه لأنك تعرف أنك تفتقد شيئا وأن روحك ووعيك يقودانك بهذا الاتجاه، وخلال هذه التجربة من الصدق لا تحتاج إلى سؤال حول الشكل والمضمون، ولا تحتاج إلى سؤال عن ماهية العلاقة بين المبدع والواقع، كثيراً ماصرخت أني أريد أن تكون حياتي جيدة وبالتالي لاأريد أن أكون سينمائياً، لأني في السينما لا أمتلك طريقا إلا أن أتحدث فقط عما افتقده وحين لا أفقد شيئا لاأريد أن أحقق أفلاما ولذلك أنا لاأعتبر نفسي مخرجا محترفا سينمائياً. أنا سينمائي يعبر عما ينقصه وعما يفتقده وحين أحس أن كل الأمور على مايرام سأكون سعيدا حتى لو لم أحقق سينما وأفلاما. هذا الخيار هو خيار سينما المؤلف وليس خيار الاحتراف السينمائي التقني الذي يدفعك أن تحقق مايطرح عليك من أفكار وأن تتحول إلى مترجم يترجم الأفكار التي كتبها لك آخرون، بينما أنت تترجم الصورة بشكل ميكانيكي. هذه الهموم لاتعنيني ولم أهتم بها يوماً ولن أهتم بها لاحقا،ً إنما هي سينما من نوع آخر.
ــ هل أفهم أن للمرحلة التاريخية التي عاشها محمد ملص دور في هذه المنظومة الإنسانية والفكرية التي يعبر عنها حالياً؟
ــ محمد ملص: نعم ليس هناك إلا هذه العلاقة بين ماعشته وما أفكر فيه سواءً في التعبير أو في الحياة. لست الذي اختار مكان ولادتي وزمن هذه الولادة ولكني أنتمي إلى ما عبرت عنه سينمائياً، أي أنتمي لمدينة دمرها العدوان، دمرتها الهزيمة وتركتها حتى اليوم على ماهي عليه، لست أنا الذي اختار أن يولد في القنيطرة وأن تكون هذه المدينة مسقط رأسي، هي التي منحتني الطاقة والقوة حين افتقدتها. طبعاً لو لم أفتقدها لكان من الممكن أن تكون القنيطرة بالنسبة لي مسقط رأسي وقبر والدي وانتهى الأمر. حين افتقدتها اكتشفت كم أحبها وحين اكتشفت هذا الشيء أردت أن أصفها، أن أقول بم كانت هذه المدينة تتصف حين كانت تعيش قبل الحرب، ولذلك أردت في الكتب التي كتبتها عن القنيطرة أو في الأفلام التي حققتها عنها أن أقول للناس هذه المدينة التي تفتقدونها اليوم هي مدينة جميلة، وأن أهم صفة من صفاتها ذلك التعايش بين المختلف طائفياً وقومياً ودينياً.. كنا نعيش في هذه المدينة بين خلايا متناثرة من التعدد والتنوع.
ــ مع تغير الظروف قام الأستاذ محمد ملص بإنتاج فيلم هو باب المقام، وقصة الموت المعلن في الفيلم تبدو من خلال التواطؤ العائلي والاجتماعي على قتل إيمان بطلة الفيلم مثل قصة موت معلن للإرث الثقافي والحضاري الفني للمجتمع السوري المحاصر بهذه الردة المتصاعدة للموروثات التقليدية المتخلفة.
هل هذه بداية لمشروع يرصد المتغيرات الراهنة في المجتمع السوري الذي يسير نحو وجهة يبدو أن محمد ملص يدركها جيداً وتسبب له قلقاً شديداً؟
ــ محمد ملص: بالتأكيد أدرك مايحصل لأن الكثير مما يحصل ينعكس علي باعتباري أعيش في هذا المجتمع وأواجه مصاعبه بشكل يومي وبشكل معيشي لأني لست خارج هذا المجتمع، أنا بداخله وأعيش بكل تفاصيله يوماً بيوم مع كل مايحدث بداخله، ولأني أدرك هذه التغيرات وأعرف أن الخطر كبير فقد قررت يوماً ما أن لاأتحدث عما أتذكره وأستعيده بل قررت أن أتحدث به وأن أكون أكثر مباشرة مما كنت عليه في أفلامي الأخرى، وأن أكون أكثر وضوحاً وأعتبر أن التغير يجب أن يتحول إلى بوق إنذار معتقداً أو متوهماً أن البوق حين يصدح هناك من يسمع، وهناك من ينتبه وهناك من يتابع ويشعر بالقلق نفسه الذي نشعر به. تشكل هذا التحول والذي اعتبرته لحظة هامة من حياتي عقب قراءة هذا الخبر عن الحادثة. في الواقع هو إنذار كبير وهو يستمر بداخلي لأني بالأساس معني بما يحصل في وجدان أبناء مجتمعي وأبناء بلدي، وبمراقبة الآلية المتشكلة جديداً في داخل هؤلاء الأفراد وهؤلاء الناس والمدى الذي يمكننا إليه أن نحس بالخطر معاً. حين حققت هذا الفيلم كنت أريد أن أصرخ أن مايجري يوحي بأن هناك عنف داخلي داخل هذا المجتمع قد ينفجر بشكل عشوائي وتتناثر آثاره، أن يرتش رذاذ هذا العنف بوجهنا جميعاً سواء كسلطة سياسية تحتجز الشخص التنويري المتنور، أو الأسرة التي انتقلت في ممارسة عنفها إلى أن تحول الشبهة إلى اتهام وهي آلية أرى أنها هي اليوم الآلية السائدة بين السلطة والمجتمع. هذا المجتمع يحتاج احتياجا ماسا إلى أن يطرح على نفسه أسئلة بديهية، لكنه للأسف لايتساءل، وأنا غير متفائل على الإطلاق بما يحدث داخل أفراد هذا المجتمع وداخل مايتشكل في وجدانهم في عالم من القمع والاستبداد في هذا العنف الداخلي الذي إن لم يجد متنفساً فسوف ينفجر ويتخذ عناوين مختلفة وكاذبة وغير حقيقية لينفس عن نفسه.
ــ هل حاولت نقل هذا الخوف للمشاهد؟
ـــ محد ملص: ربما أعتبر نفسي متساميا عن هذا العنف لأنه لدي وسيلة للتعبير، لكني ألاحظ هذا التطرف الديني الذي ينتشر من حولنا حين يكون مقموعاً. وهذا لايعني أن السلطة السياسية استطاعت تبديده، إنه يتراكم في الداخل ويرتش متناثرا لاحقاً.
كنت أريد من خلال هذا الفيلم أن أتحدث عن أن هذا الحال الذي يتراكم فيه العنف داخل المجتمع ويتراكم فيه رد الفعل لدى السلطة بالقمع حال شديد الخطورة. وليس غريباً أن أختار زمن تحقيق هذا الفيلم عام 2003 حيث تجري أحداث الفيلم بينما الاستعدادات الأمريكية للحرب على العراق تجري على قدم وساق. ووجود هذه المشاهد في هذا الفيلم والحديث عن السجين الذي لن نراه ولا نراه تشكل سياق الفيلم، لكن كل مانراه هو الأسرة التي حين يصيبها شك تحول الشك لتهمة وتنفذ الحكم.
ــ يعتقد العديد من المهتمين بالشأن السوري أن هناك ظاهرة تتصاعد في المجتمع السوري وهي ظاهرة العزوف عن السياسة، هل توافق على هذا القول؟
ــ محمد ملص: بالتأكيد أوافق، نعم هناك تصاعد في العزوف عن السياسة بالمعنى الذي سادت به حتى الآن في بلدنا وفي مجتمعنا سواءً على صعيد القوى السياسية أو شكل القوة السياسة التي حكمت عبر زمن طويل. والاثنان تكاملا في نهاية المطاف، أقصد السلطة السياسية والقوى السياسية وعلاقة هؤلاء بالناس، وهذه العلاقة سواءً بالصيغة القمعية الحاكمة أو الصيغة المتردية في فهم السياسة وفي وعي السياسة وفي استيراد الأساليب التنظيمية الموجودة سواء المشاركة بالسلطة والمعارضة للسلطة، كل ذلك شكل استنتاجاً دفع الناس للعزوف عن السياسة، ماهو دور السلطة وما هو دور القوى؟ هي أدوار غير مترابطة وغير متماثلة لكنها في آخر المطاف أدت إلى هذا العزوف وربما يكون هذا العزوف صيغة إيجابية رغم الحقيقة السلبية لهذه الكلمة التي قد تكشف عن وعي مختلف للسياسة كهدف نبيل، الوعي المختلف الذي يولد تصورا في التعامل الاجتماعي ويولد تصورا في أساليب النضال السياسي وهذه حقيقة مطروحة للمستقبل لايمكن أن تتحقق اليوم لأن هذا الجيل الذي أنتمي له هو جيل في طريقه للرحيل من الحياة ومن الفعالية المطلوبة في العمل السياسي. هناك تجربة تواصلت عبر 50 عاماً أو أكثر قليلاً.. أتحدث عن النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين وليس عن اليوم فقط. نحن اليوم في حالة عزوف، في حالة انفكاك، تقاعد كحالة وليس كفكرة محدودة. لاأخفيك على سبيل المثال قبل أسابيع توفي أحد المناضلين الشيوعيين الجميلين، في العزاء لفت نظري شيء واحد أن القاعة الكبيرة التي كانت أمامي تغص بشخصيات يسارية وتقدمية وشيوعية من مناضلي الأحزاب والثقافة، في هذه القاعة التي كانت تغص بكل هؤلاء الناس لم أعثر على شعر أسود، كله شعر أبيض، صحيح أن الصورة بصرية لكنها معبرة وذات دلالة. برأيي، هذا هو الجيل الذي تنتمي له القوى السياسية المنظمة وغير المنظمة اليوم، واليسار ممن دخلوا السجون أو لم يدخلوها، ممن تعاونوا مع السلطة السياسية أو لم يتعاونوا معها. هذا الجيل بأكمله استنفذ الأساليب والتصورات التي تشكل عليها في فهم السياسة وفي فهم العمل السياسي وهو ليس منقطعاً عن أبنائه فقط بل هو منقطع أيضاً عن تصورات يمكن أن تجدد أو تغير أساليب وأشكال طرق التصورات السياسية للعمل السياسي المختلف الذي لانعرف ماهو اليوم، هم منقطعون ونحن أيضاً كمبدعين ومثقفين، وأنا على استعداد لاستعراض الأسماء التي تنتمي لهذا الجيل. نحن لن نتمكن من تجديد القدرات النضالية الإبداعية السياسية ولم نتمكن من أن نتحول من مثقفين إلى قوى فاعلة اجتماعياً.
ــ كثير ممن ألتقي بهم يقولون إن السلطة هي السبب. هل السلطة فقط هي السبب، أم أن الشكل البنيوي للبنية الثقافية والسياسية الاجتماعية تعيق عملية التواصل مع الجيل الجديد؟
ــ محمد ملص: ليست السلطة فقط السبب. في القضايا التي تخص الوعي والممارسة الإبداعية والثقافية والسياسية لا يمكن على الإطلاق أن نعيد إشكالاتها ومشاكلها لطرف واحد أحادي، فهذه السلطة السياسية هي جزء أساسي نشأ وخرج من هذا الجيل نفسه، صحيح أنها استولت على السلطة ومارستها، لكنها تنتمي لهذا الجيل. هذا من جهة، هي خرجت منه واستولت على الوسيلة الأكثر فعالية في ممارسة القمع. أما القوى التي لم تلتحق بالسلطة أو افترقت عنها أو خالفتها فلم تكتشف كاملاً القدرات الموازية للعمل السياسي المناقض، المختلف الذي لا يسعى فقط إلى مقولة واحدة هي كسر هذه السلطة بل يسعى إلى نشر الوعي في هذا المجتمع ككل وإلى ممارسة السياسة في هذا المجتمع وهكذا فهم والسلطة معاً طرفان، وكلاهما ساهم فعلياً في الحالة الراهنة اليوم. أعتقد أن من السهل على أي مثقف اليوم أن يتحدث عن مواصفات السلطة وعن الشكل السياسي، لكن الأكثر صعوبة أن يتحدث عن نفسه ويكشف عجز الثقافة والمثقف في هذا المجتمع. لم يوجد في داخلنا وبيننا مثقفون قادرون على وعي الحقيقة بشكل أفضل وأعمق، لم يوجد كواكبي آخر، إدوار سعيد آخر، وحتى على بقية الأصعدة الإبداعية أيضاً افتقدنا الكثير. لمعرفة أسباب هذا الافتقاد نحن نحتاج لتحليلات متعددة كيلا نسقط بتحليل وحيد الجانب.
ــ إلام يعزى هذا العزوف بنظركم؟
- على مستوى السلطة ومؤسساتها كقوة حاكمة؟
- على مستوى الأحزاب ككل ومؤسسات المجتمع المدني لأنها إن وجدت مازالت في طور النشوء والتشكل؟
- على مستوى الحياة الاجتماعية والثقافية، ومن ثم هل لك أن تخبرنا كيف قرأت وتقرأ عبر مسيرتك الإبداعية دور الدين والثقافة والتقاليد في ظاهرة العزوف عن السياسة؟
ــ محمد ملص: فيما يخص السلطة ومؤسساتها كقوى حاكمة يكمن السبب في القمع والخوف. هذا الجانب الخاص بالعلاقة مع السلطة السياسية يشمل المنطقة العربية كلها وليس أكثريتها وأنا لا أقسمها، لا متطرفة ولا تقدمية. السلطة مارست قمعاً عنيفاً وأساسياً ومؤثراً إلى درجة زرعت الخوف في داخل هؤلاء. أتذكر قول سونيكا "لقد زرعوا في داخلنا الخوف كنبتة سامة ليقدمونا موائد للسلام القادم".
فيما يخص جانب السلطة السياسي، يعود العزوف عن السياسة إلى الخوف من القمع الشديد التي تمت ممارسته إلى درجة دفعت بالإنسان للتفكير عشرات المرات ليس فبل أن يمارس السياسة بل قبل أن يقول كلمة تنتمي للمس بالسلطة الحاكمة. لاشك أن الخوف والقمع له ما يقابله أيضاً من قبل السلطة وهو الاستيلاء على الاقتصاد وتحويل الفرد إلى العيش في أقل مايمكن وبأكثر جهد ممكن بحيث يتحول الهم المعيشي إلى هم يهدده الخوف. ما بين الخوف كحالة سيكولوجية وبين الواقع المهدد للقمة العيش يتولد العزوف عن السياسة .
مثلاً أتحدث عن السينما. أرى الصورة السينمائية اليوم متمثلة في أنه يجب وضع السينمائيين كلهم أمام حالة من العطالة عن العمل الإبداعي. والسعي لتحويل إنتاج فيلم يشبه رمي عظمة إلى كلاب تتصارع فيما بينها، لذا أرى أن وضع السينمائيين في سوريا اليوم تتمثل في أنهم يجلسون بانتظار عظمة وعليك أن تسبق أو تعض أي أحد في طريقك ممن يمكن له أن يأخذ هذه العظمة المرمية للسينمائيين كل 5-6-7 سنوات، وعليك أن تختار أن تكون كلباً ينتظر العظمة أو أن تبحث عن عظام ترمى من كلاب أخرى أو أن تقول أنا لاأريد أن أحقق فيلماً أنا أريد أن أكتب أفلامي على الورق ولن اقبل على نفسي أن أكون كلباً ينتظر عظمة .
أما لأحزاب وقوى المجتمع المدني فإن دورها في هذا العزوف كبير جداً، سواءً الأحزاب الحاكمة حين تحولت إلى أحزاب موظفين وأدوات بيد السلطة، أو الأحزاب المشاركة التي لم تجدد نفسها، المشاركة في التغطية على كل الآثام. كيف تريدني أن أكون في هذا المجتمع وأشعر بشيء من التقدير أو الرغبة بالمشاركة السياسية لأحزاب ليس لديها أي مشروع للتغيير السياسي، لاشك أن عزوف الناس عن الاقتراب أو التعاون أو العمل مع هذه الأحزاب يعود إلى أن هذه الأحزاب أصبحت مهمتها الوحيدة هي التجاهل أو التغطية عما يجري.
بالنسبة للأحزاب غير المشاركة، شكل القمع السياسي لهذه الأحزاب ولجوء السلطة إلى قمعها عبر السجون سببا آخر لهذا العزوف. نحن اليوم في سوريا لدينا جيل من أبناء السجناء، جيل كامل حقيقي. إن عدم قدرة هذه الأحزاب نظراً لدرجة القمع الذي واجهته على أن تعيد نفسها وأن تبقى في حالة استمرار، إضافة إلى عدم اكتشاف الطريقة والوعي والثقافة السياسية اللازمة، أمور أدت إلى هذا العزوف.
اليوم الأحزاب السياسية موجودة لكنها ليست جماهيرية لا تجد الجماهير أي إمكانية للانخراط معها بمشروعها السياسي الغائب. ومما لاشك فيه أيضاً أن هناك موضوعين يساهمان اليوم بهذا العزوف على صعيد القوى السياسية هما:
1- أحادية القوى في العالم وسقوط الاتحاد السوفياتي. سقوط تجربة، ليس بحد ذاتها إنما سقوط تجربة سياسية سعت للعدالة وانتهت لهذا المصير، وسيطرة القوة الأحادية الأمريكية-الأوروبية على كل المفاهيم المنتشرة في الحياة. كل هذا لعب دوراً أيضاً في هذا الإتكفاء والعزوف عن السياسية.
2- هناك نقطة ثانية مهمة وهي أشمل من أن تكون محلية. هذا التطور التقني التكنولوجي أي مايسمى بالعولمة بالمعنى العميق للكلمة له دور كبير في الحصول على المعرفة وابتذال المعرفة وحتى ابتذال الصورة مما يجعل الإنسان لايحس بكثير من الضرورات المباشرة لممارسة السياسة بالمعنى التقليدي وبالمعنى الكلاسيكي، ليس فقط الشعور بعدم الضرورة بل القدرة على إشباع الذات للانكفاء الفردي مع النفس عبر الإنترنت. هذا الانكفاء أفقد الكثيرين هذه الرغبة وليس في سوريا فقط بل في البلدان العربية والعالم، أي أنها ظاهرة عالمية. هذا الانكفاء والاكتفاء بالعلاقة مع الآخر عبر وسيلة غير مباشرة كالإنترنت ومواقع الحقائق الكبرى التي تنفس عن كل الاحتياجات، الثقافية منها والدينية والسياسية والجنسية واحتياج التغيير. كل هذا لعب دوراً في تشكيل حالة العزوف عن السياسة.
3- الدين والثقافة والتقاليد: لاشك أن العزوف عن السياسة قابله ارتداد نحو الدين في سوريا أو في العالم العربي، وتلعب الصيغة الإسلامية والأشكال التي انفجرت داخل الصيغة الإسلامية من الجهاد وغيره دوراً في تشكيل سياسي ديني، في منظوري هو تشكيل سلبي لكنه ليس عزوفا،ً هو انخراط أهوج في السياسة وهو بالمقابل أيضاً شكل تعويضاً عن السياسة بالمعنى التقليدي وذلك بالانتقال إلى السياسة مع الرب ومع الدين أي اللجوء إلى القوى الغيبية لحل المشكلات، هذا أدى أيضاً إلى العزوف عن السياسة بالمعنى التقليدي وبالمعنى الكلاسيكي للكلمة.
ــ هل يشكل هذا الأمر قلقاً إضافياً لمحمد ملص؟ وهل يؤثر على إنتاجه للأفلام؟
ــ محمد ملص: لا يشكل قلقا إضافيا بل يشكل قلقا موجودا وتأثيره أنه يصبح جزءا من موضوعي ومشروعي السينمائي أكثر مما هو قلق شخصي.
ــ ماهو دور سينما محمد ملص في المشروع الثقافي الجمعي لتجاوز هذا الوضع وإقناع المواطن السوري بضرورة المساهمة والمشاركة السياسية؟
ــ محمد ملص إذا عدنا للسؤال الأول حول الدور والتأثير السينمائي على الناس، يمكن القول إنه دور مفقود، السينما تبقى وتظل تعبيرا عن قلق شخصي لدي كمواطن وليس كسينمائي، كمواطن لأني أحس بقلق وهذا القلق يتحول إلى مشروع لكن هذا المشروع رهن أولاً بتحققه وثانياً بوصوله للناس والأمران ليسا في متناول اليد.
ــ يجمع المهتمون في الداخل والخارج أن الدراما التلفزيونية السورية تعيش نهضة حقيقية باختراقها آفاقاً جديدة أدت لتثوير هذا الفن وخلقت فرص عمل ودرت أرباحاً على المستوى الاقتصادي. في الأشهر القليلة الماضية مثلاً صدر كتاب في أمريكا يتناول هذه المسألة وتم تأسيس منحة في جامعة دانماركية من أجل البحث والتخصص في الدراما التلفزيونية السورية. كيف ينظر الأستاذ محمد ملص إلى هذه النهضة وعواملها وآفاقها؟
ــ محمد ملص: لدي اعتراض على بعض المفردات الواردة، بدلاً من أن أسميها نهضة كنت ومازلت أعتقد بأنها ليست نهضة بل طفرة، وقد بدأ الآن يثبت لي صحة ما أفكر به. وفي رأيي هي طفرة كاذبة يصعب النظر إليها كطفرة تنتمي للفن بل هي طفرة تنتمي للميديا ولست معنياً بالميديا على الإطلاق، وأي تناول لها يتجاهل الفن هو بالنسبة لي أمر خاطئ وأمر جاهل. يجب النظر إلى مايسمى بالدراما السورية من خلال النظر بدقة وبصدق شديد إلى التلفزيون كميديا وليس كثقافة، لاشك أن العناصر المساعدة على النظر للعمق هو مرة أخرى التواطؤ بالأهداف بين السلطة السياسية وثقافة الخليج، ثقافة الأموال، وهذا الترابط بين الاثنين يجب ألا ينظر له كتناقض ثانوي بل هو ترابط رئيسي يعيش تناقضات ثانوية أحياناً كثير ماتنتهي بتبويس اللحى. برأيي كانت الثقافة الخليجية معدومة ثم أصبحت ثقافة موجودة، لكنها على الهامش. الثقافة بالخليج أصبحت اليوم هي المركز والثقافات الأخرى هي الهامش. أحد أبعاد هذه الثقافة الخليجية يتمثل في نزوعها إلى أن تصبح متناً أساسياً في الثقافة العربية السائدة وأحد محاورها يتمثل في محو آثار الثقافة التي سادت منذ عصر التنوير إذا صح التعبير حتى السبعينات، أي ثقافة البرجوازية الصغيرة العربية الأصيلة ذات الأفكار التحررية الجديرة، والتلفزيون هو من بين وسائل وأدوات هذا المحو. الأمر أولاً بدأ بالصحافة ثم انتقل للصحافة والتلفزيون. اليوم الصحف الوحيدة التي تمنح أجورا أو المحطات الوحيدة التي تمنح وتشتري وتنتج هي الثقافة الخليجية. أي أن الأموال الخليجية هدفها محو آثار ثقافة 50 سنة، وإذا كانت بدأت بالصحافة وتمر اليوم عبر التلفزيون فسوف تنتهي أيضاً بالكتب وبالسينما أيضاً، حتى اليوم التسرب للسينما هو تسرب عشوائي وجزئي ومتناثر لأن السينما غير المصرية ليست ذات أهمية فالتسرب يجري بالسينما المصرية لتعيد حضورها في الساحة الثقافية السينمائية بالمنطقة العربية ككل. إذاً بعد الحديث عن المفردات والمصادر الآن أستطيع أن ألقي نظرة على مايسمى الدراما السورية، ماذا تقدم هذه الدراما؟ هناك هدف هو أن لا تقدم شيئا حقيقيا وفعليا له علاقة بالواقع أو ينتمي لثقافة التنوير، لذلك فإن أكثر المسلسل إثارة للضجة الإعلامية هو ذلك الذي يزيف الصورة ويقدم صورا هامشية عن مدينة من المدن مثل دمشق. "باب الحارة" هو الكذبة الكبرى لأنه لا ينتمي للتعبير عما يتحدث عنه بشكل عميق وحقيقي، طبعاً أنا أتحدث بشكل عام وعن الأكثرية. لاشك أن مسلسلا مثل مسلسل "مذبحة جنين" أو بالأصح "الاجتياح"، يعرض في محطة واحدة ويحصد جائزة كبرى في العالم مسلسل لا يتذكره أحد ولم يره كثيرون. ليس هناك دراما سورية بالمعنى المباشر، هي دراما تنتمي للعرب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك دور آخر تساهم به هذه الدراما وهو دور تخريبي لعقل المواطن، هو عازف عن السياسة وليس لديه إمكانية مالية لحياة يتابع فيها الفنون ويشاهد، إنه يبحث عن التسلية. الهدف تخريب إمكانية تحقق ثقافي حقيقية. الأمر يكمن في سهولة الأموال الكثيرة التي تجعل المنافسة غير مشروعة بين أشكال الثقافة. اليوم هناك ممثلون مسرحيون يقضون ثلاثة أشهر في البروفات والعرض مقابل خمسمائة متفرج يكون المردود للممثل عشرة آلاف ليرة فقط. مسلسل ثلاثة أشهر يأخذ الممثل ( بين 150 – 250- 400 – 700 ألف) وهكذا يبدأ العزوف ليس عن السياسة فقط بل هو العزوف أيضاً عن الثقافة والإبداع الثقافي مقابل الإغراء المادي الذي واجهناه، في كثير من المرات كدت أن أصرخ، لايمكن اليوم أن تحقق فيلماً روائياً حقيقياً في سوريا، ليس فقط في غياب الإنتاج بل أيضاً الطاقم. كان مدير التصوير يصور في السنة فيلماً ويأخذ أجره. يستمر ثلاثة شهور في التصوير. هو اليوم لايبقى معك نفس المدة ويأخذ أجرا عاديا ويعطيك عشرة أيام من وقته. لقد استبعدت ممثلين من التصوير لأنه ليس لدي مال لأقدم لهم وجبة غدا. فارس الحلو نفسه قال لي أنا آكل على حسابي وأبقى في التصوير. اليوم يأتيك ممثل مهما كان صغيراً أو في بداياته ويقول لك "معي ساعة فقط، صورني". هل أنا مصور! إنني آتي بالممثلين ليعيشوا معي أجواء الفيلم كله. يتابع الممثل قبل أن يأتي مشهده ما تم تصويره قبله، وعند لحظة التصوير يدخل ويصور مشهده. هكذا تكون السينما، فعلاً حدث معي مرة أن ممثلا أعطاني ساعة فقط لذا أنا استبعد أحيانا ممثلين عند التصوير. هناك تخريب على هذا الصعيد، هذا الصعيد ليس صعيدا جزئيا وتفصيليا، هو حقيقة من حقائق مايسمى النهوض للانتكاس، الانتكاسات متعددة في الشكل وفي الموضوع وفي إمكانية تحقق المشروعات الحقيقية على صعيد الثقافة، هذا مجتمع ذاهب إلى الهواء.
أين هم التجار. بسوريا أو بالعالم العربي مع انكسار البرجوازية الصغيرة، الانكسار الجذري ووجود النوفوريش، الأثرياء الجدد، وعملاء السلطات وهم مالكي الأموال، مال البنك!!.. من هي الشخصيات المستعدة لممارسة أي دور في ثقافة حقيقية أو بالسينما على الأقل وبعمل أفلام غير رابحة أو قد تكون رابحة. جوهر الحديث هو أن النهضة ليست مطلوبة من هؤلاء، هي مطلوبة منا ولكنها ليست مطلوبة من القوى الفاعلة لأن قوى رأس المال اليوم هي قوى رأس مال كفيلي مهرب يسعى إلى مزيد من الربح بأسرع وقت ممكن ولا يؤسس لحركة اقتصادية صحيحة في المجتمع. أين رأس المال بسوريا أو في العالم العربي؟ من يصنع النهضة سواءً على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو الاجتماعي؟ ثانياً نحن أول من طالب في عام 1963 بتأميم السينما لصالح المشروع، وإذ بنا نشهد تحول مؤسسة السينما إلى هذا الشكل فهي لاتدعك تصنع الفيلم الذي تريد. يدخلها عنصر الأمن والفساد السياسي والرشوة وتقضي على كل المشروع الاقتصادي والثقافي. القوى الرأسمالية الصحيحة اليوم غير موجودة وهي التي تمتلك مشروعا اقتصاديا، أنا لا أقول إنهم أنبياء. هل يأتي أحد غير مشروع الاستثمار رقم (10) ليؤسس لنهضة اقتصادية بالبلد، أين رأس المال؟ لرأس المال الخليجي هدف مختلف، مثلاً دبي مسرح عائم على الرمال سوف ينهض بأي لحظة وله دور اقتصادي كبير في العالم وليس في مجتمعه فقط.
ــ هل هي سياسة مقصودة أم أن هذا ما يريده الجمهور، السياسة الخليجية أو مايسمى بالتأثير الخليجي هل هو مقصود، هل هو مدرك؟
ــ محمد ملص: القوى الخليجية الممولة هم ناس لديهم أموال وليس لديهم مشروع اقتصادي حقيقي ومعهم أموال إما أن يوظفوها بالاستثمارات أو بالسندات أو ينفقوها بجولاتهم السياحية.
ــ بالنسبة لهذه السياسة الخليجية التي بدأت في الجريدة وفي المجلة وانتقلت إلى التلفزيون، والتي تقلق من انتقالها إلى السينما وإلى كافة قضايا الإبداع، هل هي سياسة مدركة، مقصودة أم أنها سياسة "الجمهور يريد ذلك"؟
ــ محمد ملص: ليس الجمهور.. وليس هذا هو وعيها لأنها هي قوى غير منتمية لمجتمع حقيقي هي قوى بدوية معها أموال.. وليس لديها مشروع.. وليست قوى مدنية. دعونا نعود للبديهيات التي درسناها وتعلمناها، من الذي يصنع الحضارة؟ طبعاً المدنية، الحياة المدنية وهذه الفئات ليست منها. كيف تفسر هذا المجتمع السعودي العجيب الغريب الذي يمنع السينما حتى اليوم والذي يمنع المرأة من أن تقود سيارة.
اليوم لاتستطيع الدولة أن توقف جماعة الهجرة والتكفير، لاتستطيع أن توقفها لأن عندها مصلحة في أن تبقى هذه الجماعة وأن تستمر. تأتيها أموال طائلة، كدولة وكشخصيات حاكمة، كسلطة حاكمة وليس كسلطة عندها مشروع. لماذا تختلف الصورة بدول آسيا مع أنها دول فقيرة وتعاني مشاكل واضحة جدا.ً الجواب يكمن في العلاقة بين السلطة والمجتمع ولذلك تظهر التيارات الدينية المتطرفة.
هناك قراءات أعمق وأدق مما أقول أجراها الكثير من المثقفين المهتمين بالمنطقة العربية سواءً بالمغرب مثل محمد عابد الجابري أو غيره، قدم قراءات لهذه المجتمعات هي أعمق وأدق بكثير.
ــ كما في مدن الملح لعبد الرحمن منيف
ــ محمد ملص: هذا على الصعيد الأدبي الإبداعي
ــ رغم الإجماع النقدي الشعبي على أن أعمال محمد ملص هي الأكثر تميزاً في تاريخ السينما السورية، هناك اتهام لمحمد ملص بأنه عاش مسيرة إبداعية بطيئة وقليلة في الإنتاج ويرى المهتمون أن السبب يعود إلى رغبة الأستاذ محمد ملص الشديدة التي تبلغ حد الهوس للوصول إلى الكمال هل توافق على هذا الكلام؟
ــ محمد ملص: أوافق أن الإنتاج قليل ولكن الأسباب ليست الوصول إلى الكمال الأسباب هي خارجة عني، خارجة وداخلة. مثلاً أنت تريد أن تكتب عملا أو تحقق فيلما وتعرف مسبقاً أن لا أحد ينتظرك فلماذا تستمر بمشروع جديد. الحالة السينمائية هي حالة محرضة أو محبطة ومثبطة، وبين التثبيط وغياب التحريض يصبح الإنتاج أقل. أما السعي للكمال فأنا لا أسعى له لأني غير مؤمن على الإطلاق بأن الفيلم ممكن أن يصل للكمال بل على العكس أيضاً أؤمن بأن السينما والفيلم السينمائي هو فيلم يجب أن يحقق وجوده بوجود من يعجبه، من يدفع ثمن البطاقة ويدخل. وأي فيلم يرجع تكلفته هو فيلم ناجح وليس الفيلم الناجح هو الذي يحصد الجوائز. لا أفكر إطلاقاً بقضية الكمال بل أفكر كثيراً بقضية الصدق في التعبير، الصدق في الفكرة وفي الصورة واللون والصوت. هذه محاولة في احترام المتفرج وذلك حين تقدم له عملاً صحيحاً وصادقاً، هل الرواية المطبوعة دون مراجعة الأخطاء الطباعية هي رواية جيدة.؟ لا، هي رواية سيئة لأنها يجب أن تراجع.
ــ من يقترب منك شخصيا وفنياً يتلمس هذا القلق الإبداعي الجياش في شخصيتك. البعض من هؤلاء يرى أن هذه الطاقة الجياشة تؤثر أحياناً سلباً على سيرتك المهنية وعلى الحس العملي المطلوب لدى كل فنان في تعامله مع العقبات والمحظورات، ماذا تقول عن ذلك؟
ــ محمد ملص: أنا أرى أن هذا السؤال يشبه غيره من الأسئلة ويجب أن لانعتبر أن هناك سبباً واحداً يؤثر بل هناك أسباب عديدة، حين تكون الحالة السينمائية حالة مرتبكة. لابد أن ينعكس هذا الارتباك عليك حتى حين تغيب الصالات لابد أن ينعكس عليك الأمر بطريقة أو بأخرى وهكذا.. العمل الإبداعي بالنسبة لي هو عمل يشبه صلاة المتصوف مع الرب، فيه درجة عالية من التماهي مع العمل ودرجة عالية من الصدق مع النفس، أما إن كان هذا الوصول للذات يحتاج لوقت طويل أو قصير فهذا موضوع آخر. إذا كنت تعمل أفلاما حسب ماهو متوفر من إنتاج كل عشر سنوات فعليك أن تتقن عملك وأنا مؤمن بقول الرسول، وبالنسبة لي هو "اعمل فيلمك كأنك تموت غداً".
ــ إن النظرية الثقافية الحديثة تدرس السرديات الإبداعية العظمية على أنها كتابة غير رسمية للتاريخ، من هذا المنظور يمكن القول مثلاً إن سردية حنا مينا الروائية وسردية سعدالله ونوس المسرحية وسردية محمد الماغوط وأدونيس الشعرية هي المدونات اللارسمية لتاريخ سوريا الحديث. في "أحلام المدينة" و"الليل" وباقي أفلام محمد ملص لاحت تباشير صدور أول سردية سينمائية للتاريخ السوري الحديث ومازال الأمل قائماً باستمرارها واكتمالها، كيف ترى نفسك تحت العيون المترقبة التي تنتظر بصبر اكتمال سرديتك السينمائية؟
ــ محمد ملص: أولاً أوافقك بأن كل مدونة إبداعية هي واحدة من صفحات التاريخ سواءً تحدثت عن الشعر أو عن الأدب أو الصورة إلى آخره. وقد حاولت.. وأنا مستعد أن استمر في المحاولة للتعبير عن التاريخ الذي أعرفه والذي أعيشه والتعبير عن المقولات التي أريد أن أستخلصها من قراءة هذا التاريخ. أما كيف أنظر فإني أنظر أحياناً لهذا الانتظار بأسف، أنا منذ عام 1992 أردت أن أقدم مايمكن أن أسميه خاتمة للثلاثية السينمائية التي تعبر عن سوريا خلال خمسين عاماً وكان هذا المشروع بالنسبة لي إقفالا لهذه الثلاثية بحيث كنت واضعا لنفسي هدفا محددا أنني عبر ثلاثة أفلام أحاول أن أرسم بورتريه لسوريا في نهايات القرن العشرين بين منتصف القرن العشرين ونهاياته. ولم أكن أدرك شراسة الموقف الرسمي الحكومي من هذا الإبداع، ولم أكن أدرك أنه كان هناك قرار مبيت بعدم إعطائي الفرصة لاستكمال هذه الثلاثية ومايزال هذا القرار حتى اليوم. الانعطاف القصير الذي حققته بفيلم باب المقام هو انعطاف وتأجيل لهذه الثلاثية. المشروع موجود ولا أعرف إن كنت سأتمكن من تحقيقه أم ستتاح لي الفرصة لتحقيق فيلم آخر. على سبيل المثال بعد فيلم الليل حققت باب المقام وقد وقعت فريسة أيضاً لهذه الثقافة الخليجية حين طلب مني أن أحقق فيلما تاريخيا عن العرب قبل الإسلام وحققت هذا الفيلم بعد جهود استمرت سنتين ونصف السنة من العمل الدؤوب لبناء المرحلة التاريخية للعرب قبل الإسلام، وتم تحقيق هذا الفيلم، وحقق بأفضل الشروط التقنية والفنية في أفضل استديوهات في العالم لكن هذا الفيلم أخذ وأقفل عليه، وهذه معلومة جديدة، وهناك نية لإبادة هذا الفيلم وهو بعنوان "المهد" وهو من إنتاج شركة إنتاج سينمائي في أبو ظبي، جهود سنتين ونصف ومشاركة أربعين ممثلا من ثماني بلدان عربية، أخذ هذا الفيلم وأقفل عليه والذي يقف وراء الفيلم شخص متنفذ في السلطة السياسية بابو ظبي، ماذا أستطيع أن أفعل؟ أنا حققت الفيلم بنسبة سبعين بالمائة مما أريد بينما لم اتمكن من تحقيق الثلاثين بالمائة بحكم الضغوط الكثيرة التي كانت ممارسة علي خلال تنفيذ الفيلم، والذي وراء الفيلم هو شقيق أمير دولة الإمارات محمود بن زايد وهو الممول للفيلم. إذا، هذا جواب على السؤال، وأريد أن أضع هذا بين قوسين لأني أحببت كثيراً أن أتحدث عن شيء لم يرى بعد.
ــ هل لنا أن نعرف المزيد عن الفيلم.
ــ محمد ملص: الفكرة التي يقولها الفيلم مهمة جداً وهي تلتقي مع ما نفكر فيه اليوم. الفيلم يتحدث عن قبيلة كندة المعروفة بعراقتها وعن أول غزو حبشي قبل الإسلام لهذه القبيلة وتمزيقها والقضاء عليها، يبدو أن الفيلم تمت قراءته على أنه حكاية قبيلة عربية أمام احتلال خارجي، وكأنه قراءة لما يحدث اليوم في بلدان عربية مثل العراق وغيرها، ولذلك أقفل عليه. ومن المفارقات أن الذي كتب السيناريو أصبح وزيراً للثقافة في سوريا. تصور أن يتم إيقاف فيلم يكتبه وزير الثقافة في سوريا. بالعودة للسؤال، كيف أنظر لنفسي؟ أنظر بأسف وأتمنى أن أحقق الكثير من المشاريع في نفسي قبل أن أرحل، لا أتمنى أن أرحل وفي نفسي عشرات الأفلام، قد يكون في نفسي فيلمان أو ثلاثة، لست المسؤول عن الكم الذي حققته.. أنا المسؤول عن النوع الذي حققته، سواءً في الأفلام التي حجبت لأن هناك أفلام حجبت أو التي منعت لأن هناك أفلام منعت أو التي عرضت. وفي كل الأحوال أنا أواجه أشكالا مختلفة من القمع ولكنها قمع في نهاية المطاف.
شركة ريد هي التي أتت إلي وقدمت لي سيناريو بدائيا وأوليا عن مشروع يتحدث عن الجزيرة العربية قبل الإسلام وعن الصراع الداخلي في الجزيرة العربية وأبديت الكثير من الملاحظات واتفقنا فيما بيننا على اختيار رياض نعسان آغا الذي كان سفيراً حينها لمعالجة الملاحظات المقدمة وتمت الموافقة عليها كاملاً. ورياض نعسان آغا أحدث مشكوراً في السيناريو نقلة نوعية بأن حول العدو الداخلي إلى عدو خارجي، ووافقوا، وبالتالي من هنا أتت فكرة الغزو الخارجي. تم تحقيق الفيلم وبإشراف مباشر وتدخل مباشر وضغط يومي أي يوماً بيوم في عملية التصوير والمونتاج والمكساج أيضاً ثم فوجئت بإيقاف الفيلم أو إغلاقه، إلى متى وكيف ولماذا!! لا يستطيع أحد أن يسأل الممول الرئيسي، كانت المتابعة مستمرة من قبل إدارة الشركة المنتجة حتى اللحظة الأخيرة التي سلم فيها الفيلم في استديوهات ميونيخ في ألمانيا بنسخته السينمائية النهائية المصححة والمعمول عليها كل شيء، فيلم ضخم وكلف كثيراً وكانت هناك متابعة مستمرة للفيلم، متابعة موجودة وبتدخل مدير الشركة ومستشاره والممول. ثم فوجئنا بأن رأي المستشار مختلف عن رأي مدير الشركة وعن رأي الممول لأن المستشار هو الذي ساهم بصناعة الفيلم على هذا النحو وبالرغم من ذلك أغلق الفيلم!! لماذا وكيف!! لا أعلم، ولا أحد يستطيع أن يسأله وليس لدي نسخة من الفيلم، لكن هذه التجربة بينت أن الفيلم السينمائي هو أمام أشكال مختلفة لكنها متشابهة جداً، سواءً كان الممول السلطة السياسية أو شركة وراءها طرف اقتصادي، الكل يشبه بعضه، السينما غير مطلوبة، فلو كانت مطلوبة لتم تحقيقها وتطويرها، فهل سوريا عاجزة عن تمويل فيلم؟ أنا قلت عشرات المرات أنه لايوجد مشكلة في السينما بل يوجد مشكلة في السلطة، وأن المؤتمرات والندوات والمقالات التي نتبناها والتي قدمنا فيها المقترحات تشبه عبارة "لقد صنعنا من جلودنا طبولاً كي نقرع عليها" لكن أحداً لايسمع، لو كانت السلطة السياسية بسوريا تريد أن تكون هناك سينما لما كانت عاجزة عن ذلك؟ أبداً. لو كان هناك من يريد أن يستمع على مدى ثلاثين لما نقول، والآن أنا أستطيع أن أستخدم أرشيف المقالات التي كتبت سنة 57 – 76 –77، إلى اليوم مقالات متشابهة تقول الحقيقة نفسها والاقتراحات نفسها ولكن أحداً لايسمع، لأن أحداً لايريد أن يسمع.
ــ أشكرك كثيراً أستاذ محمد ملص على هذا اللقاء وقد كان لدي الكثير من الأسئلة لكن سأكتفي بسؤال أخير ماذا يقول محمد ملص للجيل الجديد للشباب السوري؟
ــ محمد ملص: ماأريد أن أقوله الآن هو مشروع سينمائي أكتبه الآن، أريد لهذا الجيل أن لا يلعننا لأننا حاولنا، لقد فشلنا كثيراً أتمنى ألا يفشل بنفس الدرجة والكم الذي فشلنا به كمجتمع وكساسة وكثقافة وكسينما، ولدي مقاربات حول الجيل، وكيف يفكر بالسينما، هذا يعطيني شيئا من التفاؤل، وربما لو أتيحت له الفرصة لكنت متفائلاً أكثر لأن عندي ثقة أن الجيل القادم لديه من الإمكانات والوسائل أفضل بكثير مما كان لدينا، واليوم التطور التقني لوجود الصورة الرقمية هو فرصة كبيرة جداً جداً لهذا الجيل ليحقق مايريد بأقل مايمكن من المشاكل بينما كنا نحتاج إلى الكثير، وكان علينا مواجهة الكثير من المشاكل لتحقيق القليل من القضايا


